علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

163

البصائر والذخائر

وإنّما محّصت « 1 » لك هذا لنقص بان لي من كاتب كبير ذي رزق واسع وجاه عريض ، قرأ عليه صاحب لي من رقعة هذه الكلمة بحذف الباء فقال له : من كتب هذا ؟ قال : أبو حيان ، فقال : يا قوم ، ما اغتراركم بما يكتب هذا الرجل ويقول ؟ ! أمّا كتبه فثقيلة ، وأما هذا الكلام فلا يجوز أن يكون له لرشاقته وحسنه ، وإن كان له فمن قبل هذا الخطأ الفاحش الذي قد دلّ على عورته ؛ أما يعلم أبو حيان أنه لا يقال « اشتغلت كذا » إلا بعد أن يقال « بكذا » ، ولا يقال « استعنت كذا » حتى يقال « بكذا » ؟ فأعاد صاحبي هذا عليّ ، فبقيت مبهوتا لا أحير حديثا . ولم يكفه ذلك « 2 » حتى دخل دواوين الكتّاب فحكى ذلك لهم « 3 » وأراهم أنّه قد ظفر ، فعل « 4 » من لم يقع له مثل ما وقع له . واعلم أنّ شين « اشتغلت » ليست نظير سين « استعنت » « 5 » ، لأن الاشتغال افتعال ، والشين من سنخ « 6 » الكلمة ، وهي أحد أجزائها ، بها تتمّ وعليها تنتظم ، وأما الاستعانة فإن سينها مجتلبة ، لأنّ أصل الكلمة أعان يعين ، ثم تجلب لها السين للمعنى المراد ، وهو سين « استفعل » التي هي في قولك استمال من مال ، واستقال من الإقالة ، واستمتع من المتعة ، وكان الأصل على التمام استعونت ، ولكن قصد التخفيف على جاري « 7 » العادة في كلامهم . فظنّ هذا البائس أنّ هذا « 8 » الوزن إذا جمعهما فالحكم قد جمعهما ، والشيء قد يخالف منظره مخبره ، وظاهره باطنه ، وجليّته سرّه .

--> ( 1 ) ك ر : لخصت . ( 2 ) ذلك : سقطت من ر . ( 3 ) لهم : سقطت من ك ر . ( 4 ) ك : فقل . ( 5 ) ر : واعلم أن اشتغلت ليس له نظير استعنت . ( 6 ) ك : نسج . ( 7 ) ر : مجاري . ( 8 ) هذا : سقطت من ك .